الذهبي

502

سير أعلام النبلاء

إلى المنبر ، وأخبرهم بيمينه من حصاره القسطنطينية ، فانفروا على بركة الله ، وعليكم بتقوى الله ، ثم الصبر الصبر . وسار حتى نزل بدابق ( 1 ) ، وسار مسلمة وأخذ معه أليون الرومي المرعشي ليدله على الطريق والعوار ، وأخذ ميثاقه على المناصحة إلى أن عبروا الخليج ، وحاصروا قسطنطينية إلى أن برح بهم الحصار ، وعرض أهلها الفدية ، فأبى مسلمة إلا أن يفتحها عنوة ، قالوا : فابعث إلينا أليون ، فإنه منا ويفهم كلامنا ، فبعثه ، فغدر وقال : إن ملكتموني أمنتم ، فملكوه ، فخرج وقال : قد أجابوني أن يفتحوها ، لكن لا يفتحونها حتى تتنحى عنهم ، قال : أخشى غدرك ، فحلف له أن يدفع إليه كل ما فيها من سبي ومال . فانتقل مسلمة ودخل أليون لعنه الله فلبس التاج ، وأمر بنقل العلوفات من خارج فملأوا الأهراء ( 2 ) ، وجاء الصريخ إلى مسلمة ، فكبر بالجيش فأدرك شيئا من العلوفات ، فغلقوا الأبواب دونه ، فبعث إلى أليون : يناشده عهده ، فأرسل إليه أليون يقول : ملك الروم لا يباع بالوفاء . ونزل مسلمة بفنائها ثلاثين شهرا حتى أكل الناس في المعسكر الميتة والعذرة من الجوع ، هذا وفي وسط المعسكر عرمة حنطة مثل الجبل يغبطون بها الروم . فال محمد بن زياد الألهاني : غزونا القسطنطينية ، فجعنا حتى هلك ناس كثير ، فإن كان الرجل يخرج إلى قضاء الحاجة والآخر ينظر إليه ، فإذا قام ، أقبل ذاك على رجيعه فأكله ، وإن كان الرجل ليذهب إلى الحاجة ، فيؤخذ ويذبح ويؤكل ، وإن الأهراء من الطعام كالتلال لا نصل إليها نكايد بها أهل القسطنطينية . فلما استخلف عمر بن عبد العزيز ، أذن لهم في الترحل عنها .

--> 1 ) دابق : قرية قرب حلب من أعمال عزاز . 2 ) مفردها هري : وهو بيت ضخم يجمع فيه طعام السلطان .